الشوكاني
91
فتح القدير
علم ما أنت أعلم به منا ، وقيل إنهم ذهلوا عما أجاب به قومهم لهول المحشر . قوله ( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم ) إذ بدل من يوم يجمع ، وهو تخصيص بعد التعميم وتخصيص عيسى عليه السلام من بين الرسل لاختلاف طائفتي اليهود والنصارى فيه إفراطا وتفريطا ، هذه تجعله إلها ، وهذه تجعله كاذبا ، وقيل هو منصوب بتقدير أذكر ، قوله ( أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ) ذكره سبحانه نعمته عليه وعلى أمه مع كونه ذاكرا لها عالما بتفضل الله سبحانه بها لقصد تعريف الأمم بما خصهما الله به من الكرامة وميزهما به من علو المقام ، أو لتأكيد الحجة وتبكيت الجاحد بأن منزلهما عند الله هذه المنزلة وتوبيخ من اتخذهما إلهين ببيان أن ذلك الإنعام عليهما كله من عند الله سبحانه ، وأنهما عبدان من جملة عباده منعم عليهما بنعم الله سبحانه ليس لهما من الأمر شئ . قوله ( إذ أيدتك بروح القدس ) إذ ظرف للنعمة لأنها بمعنى المصدر : أي أذكر إنعامي عليك وقت تأييدي لك ، أو حال من النعمة : أي كائنة ذلك الوقت ( أيدتك ) قويتك مأخوذ من الأيد ، وهو القوة . وفى روح القدس وجهان : أحدهما أنها الروح الطاهرة التي خصه الله بها ، وقيل إنه جبريل عليه السلام ، وقيل إنه الكلام الذي يحيى به الأرواح . والقدس : الطهر ، وإضافته إليه لكونه سببه ، وجملة ( تكلم الناس ) مبينة لمعنى التأييد ، و ( في المهد ) في محل نصب على الحال : أي تكلم الناس حال كونك صبيا وكهلا لا يتفاوت كلامك في الحالتين مع أن غيرك يتفاوت كلامه فيهما تفاوتا بينا . وقوله ( وإذ علمتك الكتاب ) معطوف على ( إذ أيدتك ) أي واذكر نعمتي عليك وقت تعليمي لك الكتاب : أي جنس الكتاب ، أو المراد بالكتاب الخط ، وعلى الأول يكون ذكر التوراة والإنجيل من عطف الخاص على العام ، وتخصيصهما بالذكر لمزيد اختصاصه بهما : أما التوراة فقد كان يحتج بها على اليهود في غالب ما يدور بينه وبينهم من الجدال كما هو مصرح بذلك في الإنجيل ، وأما الإنجيل فلكونه نازلا عليه من عند الله سبحانه ، والمراد بالحكمة جنس الحكمة ، وقيل هي الكلام المحكم ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ) أي تصور تصويرا مثل صورة الطير ( بإذني ) لك بذلك وتيسيري له ( فتنفخ ) في الهيئة المصورة ( فتكون ) هذه الهيئة ( طائرا ) متحركا حيا كسائر الطيور ( وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني ) لك وتسهيله عليك وتيسيره لك ، وقد تقدم تفسير هذا مطولا في البقرة فلا نعيده ( وإذ تخرج الموتى ) من قبورهم فيكون ذلك آية لك عظيمة ( بإذني ) ، وتكرير بإذني في المواضع الأربعة للاعتناء بأن ذلك كله من جهة الله ليس لعيسى عليه السلام فيه فعل إلا مجرد امتثاله لأمر الله سبحانه . قوله ( وإذ كففت ) معطوف على " إذ تخرج " كففت معناه : دفعت وصرفت ( بني إسرائيل عنك ) حين هموا بقتلك ( إذ جئتهم بالبينات ) بالمعجزات الواضحات ( فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ) أي ما هذا الذي جئت به إلا سحر بين ، لما عظم ذلك في صدرهم وانبهروا منه لم يقدروا على جحده بالكلية ، بل نسبوه إلى السحر . قوله ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ) هو معطوف على ما قبله ، وقد تقدم تفسير ذلك . والوحي في كلام العرب معناه الإلهام : أي ألهمت الحواريين وقذفت في قلوبهم ، وقيل معناه : أمرتهم على ألسنة الرسل أن يؤمنوا بي بالتوحيد والإخلاص ويؤمنوا برسالة رسولي . قوله ( قالوا آمنا ) جملة مستأنفة كأنه قيل ماذا قالوا ؟ فقال : قالوا آمنا ( واشهد بأننا مسلمون ) أي مخلصون للإيمان : أي واشهد يا رب ، أو واشهد يا عيسى . وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ) فيفزعون فيقولون ( لا علم لنا ) فترد إليهم أفئدتهم فيعلمون . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال : ذلك أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول ، فلما سئلوا